تأبين الفقيدة السعيدة عمتي مريم بنت عيسى الغانم


 

    لستُ شاعرًا حتى أكتبَ بيتًا أو بيتين من الشعر العربّي المقفّى في رثاء عمّتي، الموزون على بحور العروض، بيد أنّني سأكتبُ - على طريقتي - كلامًا منثورًا توثيقًا لهذه اللحظة التاريخيّة بكل ما فيها من تشظٍ لخلجات النفس؛ ففي الصدر لبانات وفي النفسِ أحاديثٌ وأشجانٌ، ولعلَّ في الكتابةِ سلوانٌ عن ألم الفقد.

    الفقيدة السعيدة مريم بنت عيسى بن عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الرحمن الغانم، المولودة في سنة 1389هـ - 1969م. هذا على وجه التقريب وليس على الضبط والتحقيق، وهذا التشويش في التأريخ هو من طبيعة المرحلة السابقة إذ غالبية حالات الولادة آنذاك تتم في البيوت ولا يتم تدوين وقت وتاريخ الحادثة إلا بعد سنوات؛ ولذلك لا محيد من وجود هامش خطأ في أغلب التواريخ. وفقيدتنا هي الخامسة في أسرة أبيها والأولى في الإناث - باستثناء الذين لم تكتب لهم الحياة وهم الثلاثة حجيّة ورقيّة وصالح - وقد عاصرت عمّتي وشهدت لوعة فراق أبيها، ولو فتّشنا في صندوقة قلبها لوقفنا على آثار هذا الارتطام بجدار الواقع، واقع فقد الأب على رغم حداثة السن، فقدت أباها في ربيعها التاسع.

    وبعد رحيل أبيها، أصيبت بمرضٍ رافقها طويلًا، نوبات الصرع التي تحدث للإنسان نتيجة اضطراب في الإشارات الكهربائيّة للمخ. تزوّجت عمّتي في سنٍّ مبكّرة، ربّما لم تتجاوز الثانية عشر - حسب الأعراف آنذاك - والزوج متقدّمٌ في السن، لم يستمر هذا الرباط طويلًا، فقد انفصلت عنه، وبعد حينٍ خطبها رجلٌ آخر من مدينة العمران يدعى (جاسم البراهيم)، عاشت معه شطرًا من حياتها، زبدة العمر وذروة ما يمكن أن تصله المرأة الكاملة من الناحيتين (البيولوجيّة والسيكولوجيّة)، قرابة عقدين من الزمن عاشت معه، تحت سقفِ غرفةٍ واحدة لا غير، داخل بيت أسرته. وبين ليلةٍ وضحاها انتهت قصة عقدين من التضحيّة بأثمن ما تراهن عليه النساء (الأمومة)، فقد كان عقيمًا. وهذه كبرى الأزمات التي عاشتها فقيدتنا الغالية؛ عدم الإنجاب، وهل للحياة قيمة بلا أولاد؟!

    وبعد سنيّاتٍ بسيطة خطبها (محمد السماعيل) من مدينة المبرّز، رجلٌ متقدّمٌ في العمر، أثقلته تكاليف الحياة وبعض الأمراض التي أُصيب بها، وما زاد حمله كيل بعير (فقد زوجته) التي لم يستطع تجاوز ذكراها في قلبه، وقد أشفق على نفسه وأشفقت عليه أسرته الكريمة بخطبتهم عمّتي له، لتشاطره صعوبات الحياة، وما زلت أرى حفل زفافهما في مخيّلتي، فقد اجتاح الفرح أسرتي الغانم والسماعيل، وقد جرت العادة في مجتمعنا أن يكون حفل الزفاف لكبار السن - لا سيّما الذين سبق لهم الزواج من قبل - حفلًا بسيطًا داخل نطاق الأسرة؛ لكنّنا شهدنا عرسًا نموذجيًا حضره جموعٌ غفيرة من أهل المبرّز، ذلك أنّ السماعيل حاز على مكانة سامقة في مجتمعه.

    وبعد زواجهما بخمس سنوات، نعت إلينا عمّتي خبر رحيله، فتوجّعت نفوسنا ألمًا لفراقه، ربما لم يتجاوز الزواج خمس سنوات. لكنها رجحت العقدين اللذين عاشتهما مع طليقها البراهيم!

    عاشت عمّتي بعد رحيل السماعيل تجربة زواج ليست جيّدة، فقد ألقت هذه التجربة بظلالها على عمّتي ما جعلها تعاني من مشكلة صحيّة جعلتها تلزم السرير الأبيض في المستشفيات السنة الماضية إثر (التليّف الرئوي) حسب تشخيص الأطباء، الأمر الذي يتطلب زراعة رئتين.

    تأخّر الإجراءات في مستشفى الملك فيصل التخصصي بالرياض أسهم بشكلٍ غير مباشر في تفاقم المشكلة الصحيّة، وربّما كان الطلاق الذي وقع لعشرٍ بقين من ربيعٍ الآخر 1446هـ أسهم بشكلٍ مباشر في وضعها الصحي، ومهما يكن السبب؛ فقد ذاقت فقيدتنا آلامًا وتجرّعت المحن، لم تجزع ولم يضعف إيمانها بربها، عاشت 57 سنة بحلوها ومرّها، لم تعتدِ ولم تظلم، عاشت بين أهلها وجيرانها إنسانة لطيفة سرعان ما تبتسم وتَضحك، وتُضحِك الآخرين بخفّة ظلّها ورهافة روحها، وحسبُ فقيدتنا أنّها أسهمت في تزويج الشباب وإعمار البيوت إيمانا منها بعظمة العطاء.

    علاقتي بعمّتي علاقة فريدة، فقد كنت حاضرًا في أحداثٍ كثيرة من حياتها، بل كنت ركنًا ركينًا في تلك الأحداث، فقد خاضت تجربة الزواج أربع مرّات، كنت طرفًا في ثلاثٍ منها. تميّزت شخصيّتها بالعفويّة والبساطة، فقد كنت أمازحها حتى يصل الأمر إلى الضرب، تترقرق عيناها بالدموع من شدة الضحك إثر هذا المزاح.

    مساء يوم الأربعاء الثامن من شهر رجب 1446هـ، اتصل بي عمّي أبو وديعة، وقبل أن استقبل اتصاله، قلت في نفسي: لقد ماتت عمّتي! أهلًا عبد الرحمن، وينك أنت؟ أنت في البلد ولا مداوم؟ آنا إجازة، وموجود في البيت. المهم عمتك مريم عطتك عمرها، تعال معاي نروح نخلص أوراقها في المانع.

    كنت قد تنبّأتُ بوفاتها قبل شهور قليلة أثناء حديثي مع أبناء عمّي، لكنني ما زلت مشدوها بهذا الحدث، حتى اللحظة لم أستوعب رحيلها. نوّر الله مضجعها وجعله روضة من رياض الجنة، وحشرها مع الصابرين.

 

 

 

عبد الرحمن علي

4 رمضان 1446هـ


تعليقات

المشاركات الشائعة