ابن كثير الدمشقي وأبو محنف
"وللشِّيعةِ والرافِضةِ في صفةِ مصرع الحسين - رضي الله عنه - كَذِبٌ كثيرٌ وأخبارٌ طويلةٌ، وفيما ذكرناه كفايةٌ، وفي بعض ما أوردناه نظرٌ، ولولا أنَّ ابنَ جريرٍ وغيرِه من الحُفَّاظِ الأئمةِ ذكروه ما سُقْتُه، وأكثرُه من روايةِ أبي مِخْنَفٍ لوطِ بن يحيى، وقد كان شِيعيًّا، وهو ضَعيفُ الحديثِ عندَ الأئمةِ، ولكنّه أخباريٌّ حافظٌ، عنده من هذه الأشياءِ ما ليس عندَ غيرِه، ولهذا يترامى عليه كثيرٌ من المُصنِّفين مِمَّن بعدَه. واللهُ أعلمُ." ابن كثير الدمشقي - البداية والنهاية ج١١ ص٥٧٦.
هذا نص كلام المؤرِّخ أبي الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير الدِّمشقي
المتوفى سنة 774هـ، صاحبُ التفسير الذي حبّره على منهج تفسير القرآن بالمأثور من
الحديث، والحافظ الذي تشرّب عُصارَة التجربة السُنِّيَّة المُحكَمة في علم مصطلح
الحديث، فقد قام بجمع الأحاديث النبويّةِ في مصنَّفٍ حوى مجاميع الأحاديث
ومسانيدها،
وهو هو صاحب البداية والنهاية، الموسوعة التاريخيّة التي حفظ لنا في تضاعيفها
سلاسل الطرق التي أوصلتنا إلى الأخبار، مِمّا قد فات مَن قَبلَه مِن المؤرخين. هذا
نصُّ كلامِه نقلته كما هو، من مقتل الحسين ع، الذي أورده في تاريخه، ولي عليه
ملاحظات، أوردها للفائدة:
1-
من خلال رصدي وتتبّعي لما كتبه مصنّفو السنّة وما كتبه مصنّفو الشيعة، بدءً من
القرن الهجري الثالث انتهاءً بالقرن الهجري الثامن، أرى أنّ ما دوّنه الشيعة لا
يُقاس بما دوّنه أهل السنّة (بمعنى آخر: ما ورد في المصنّفات السنّية أضعاف ما ورد
في المصنّفات الشيعيّة)، فهذا أبو جعفر الطبري قد أفرد للمقتل 132 صفحةً من
المجلّد الخامس في تاريخه، ولا أظن - حسب دراستي - بأنّ الشيعة زادوا على ما أورده
الطبري، إلّا اللهم رتوش بسيطة في أخبار ثانوية، لا تُقاس بالمفاصل الرئيسيّة
للمقتل. فأين الكذب الكثير الذي يتّهم به ابن كثير الشيعة وقد نقل في كتابه أشهر
مصدرين من المقاتل الشيعية (مقتل أبي محنف، ومقتل عمّار الدهني)؟!
2-
حتى الآن لم أفحص المقتل الذي أورده ابن كثير، وقد أفرد له 116 صفحةً في المجلّد
الحادي عشر، قرأته لمامًا بُغيةَ حصر الأسانيد ومعرفة عامة بماهية ما كتبه
المُصنِّف، غير أنّني وقفتُ على نصّين لم يكن فيهما دقيقًا في نقله للنصِّ الأوّل
وضَعُفَت لديه مَلَكَةُ النقد في النصِّ الثاني، النصُّ الأوّل [زيادة
في متن خبرٍ أورده من كتاب الطبري، وهو الخبر الذي أورده الطبري من طريق أبي مخنفٍ
حدّثه به عبد الرحمن بن جندب روايةً عن عقبة بن سمعان؛ ففي الطبري قال ابن سمعان:
(صَحِبْتُ حسينًا فخرجتُ معه من المدينة إلى مكة، ومن
مكّة إلى العراق، ولم أفارقْه حتى قُتِلَ، وليس من مخاطبته الناسَ كلمةً بالمدينة
ولا بمكّة ولا في الطريق ولا بالعراق ولا في عسكر إلى يوم مقتله إلّا وقد سمعتها.
ألا والله ما أعطاهم ما يتذاكر الناس وما يزعمون؛ من أن يضع يده في يد يزيد بن معاوية،
ولا أن يسيّروه إلى ثغرٍ من ثغور المسلمين، ولكنّه قال: دعوني فلأذهب في هذه الأرض
العريضة حتى ننظر ما يصير أمرُ الناس) والزيادة التي أوردها ابن كثير:
ذكر أمرًا لم يأتي على لسان ابن سمعان حسب هذا الخبر المسند بهذا السند الذي
أورده الطبري ونقله ابن كثير، فقد نقل لنا ابن كثير هذا النص: (لقد صحِبتُ الحسين
من مكّة إلى حين قُتِل، والله ما من كلمة قالها في موطنٍ إلّا وقد سمعتها، وإنّه
لم يسأل أن يذهبَ إلى يزيد فيضع يده في يده، ولا أن يذهب إلى ثغرٍ من الثغور، ولكن
طلب منهم أحد أمرين؛ إمّا أن يرجع من حيث جاء، وإمّا أن يدعوه يذهب في الأرض
العريضة حتى ينظر ما يصير أمر الناس إليه).
وأمّا
النصُّ الثاني: [وقد تأوَّلَ عليه من قتله أنّه جاء لِيُفَرِّقَ
كلمة المسلمين بعد اجتماعها، وليخلع من بايعه الناسُ واجتمعوا عليه ..... بل كان
يجِبُ عليهم إجابته إلى ما سأل من تلك الخِصالِ الثلاثةِ المُتَقَدِّمِ ذِكرُها]،
وابن كثير بكلامه هذا يقول بالرأي الذي تناقله أغلب المؤرخين دون تأمّلٍ أو إنعام
نظر.
3-
يتابع ابن كثير شيوخه في تجريحهم لأبي مخنف؛ غير أنّه يشهد له بالحفظ، ويُثبِتُ
بأنّ أبا مخنفٍ متوفرٌ على مادةٍ كبيرةٍ من الأخبار، جعلت الكثير من المصنّفين
يروون عنه. وفي هذا الاعتراف لأبي مخنف بالحفظ وتوفّره على مادة أخبارية كبيرة:
إشارة غير مباشرة بوجود خللٍ فنّيٍ في المنهج القائم على قبول أو ردِّ الخبر
التاريخي الذي يرويه راوٍ مجروح، أسجّل هذه الملاحظة لأن المُلَاحظَ عليه هو ابن
كثير (أحد رموز هذه المدرسة، التي تبني هياكلها الفقهيّة والعقديّة على قواعد علم
الجرح والتعديل).
عبد الرحمن الغانم
5 صفر 1448هـ

تعليقات
إرسال تعليق