من الذي كسر المزهريّة؟

مقدمة

    هذا سؤالٌ لا أروم من طرحه البحث عن إجابة، ليس لأننا لا نملك إجابةً حقيقة؛ بل لأن هذا السؤال ينطوي على الرمزيّة (كسر المزهريّة)، قطعة الأثاث المصنوعة من الخزف، وهل لقطعة من الخزف أن تعود كما كانت بعد تناثرها شظايا صغيرة؟! ولا بأس أن أقول: إنّ ثمة مزهريّةً وقعت بمحض الصدفة، وتلاشت قطعًا صغيرة في فناء البيت. ومن نافلة القول إنّ كسر المزهريّة هو بمثابة سقوط الزهر والورد، أو بالأحرى موتٌ غير مباشر للطبيعة.


    وقفت عقارب الساعة في حياة أسرة صغيرة (زوجان وطفلة صغيرة)، إذ آل الأمر إلى الطلاق، وكأنّه موتٌ على حين غرّة، دون سابق إنذار، وعلى النقيض بدأت حياة جديدة للطفلة التي عاشت بالأمس القريب في كنف أبويها (حياة مفعمة بالحب)، حياة مختلفة عما قبل انكسار المزهريّة. كسر المزهريّة حدثٌ ليس ذا قيمة في ذاته؛ غير أنه أصبح كالقشة التي قصمت ظهر البعير.


    يسرى فتاة حسناء، بلغت ربيعها السابع عشر، خطبها طلال، الشاب الذي عشق الحياة وأحب يسرى؛ حبُّ نبت بين الجدران الملاصقة لبعضها البعض، تلك هي طبيعة الحياة في مطلع التسعينات الميلاديّة، حيث لم تُصنع الهواتف النقّالة بعدُ، ولم تدخل الشبكة العنكبوتيّة البيوت، ليس من وسيلة تواصل بين الناس إلّا الهاتف الثابت، جهاز مرتبطٌ بسلكٍ طويلٍ، يشبه طول المدة التي عاشها هذا الجهاز محافظًا على سيادته.


    عاشت أسرة طلال وأسرة معشوقته (يسرى) متجاورتين في أحد أحياء مدينة الهفّوف، جوارٌ غذّى روحي هذين العاشقين، اختمر حبُّ يسرى في نفس طلال يومًا بعد يوم، خطبها أبو طلال لابنه بعد لأيٍ ولأي، إذ المعايير السائدة لدى الآباء - آنذاك - في اختيار زوجة للابن كانت خاضعة لأعرافٍ هي إلى العسف والظلم أقرب منها إلى العدل والنَصف، للأب الصلاحية المطلقة في اختيار شريكة الحياة للولد، وعادة ما يختار الآباء القريبات لأبنائهم (بنت الأخ، بنت الأخت)، وإذا اختلفت الأمزجة (مزاج الأب وزوجة الولد) فستصبح حياة الابن الزوجية معرّضة لحدوث الانفصال، وهذا ما حصل مع طلال، بعد أن أنجبت يسرى مولودتها الأولى (الطفلة الوادعة نرجس) بسنة ونصف.


    هذا النص رواية لأحداث حقيقية، يحتفظ النصُ بجوهر الحدث ويستبدل كاتبه أسماء الشخصيات بأسماء مستعارة، في محاولة هي الأولى من نوعها لتجربة كتابة الرواية، وأيُّ روايةٍ لا تستحق منّا إنعام النظر أكثر من هذا النوع: ذاك الذي نعيشه في مجتمعنا، الواقع المر (انفصال أسرة) وتداعيات الانفصال على الأبناء.


تعليقات

المشاركات الشائعة